النويري
366
نهاية الأرب في فنون الأدب
تخلَّصت من أحد المكروهين ، فخرجت متحاملا إلى المسجد وصعدت المنارة وأذّنت ، وجلست أطَّلع إلى الطريق فأرتقب خروج المرأة من الدار « 1 » ، فما مضت ساعة حتى امتلأ الشارع خيلا ورجلا ومشاعل ، وهم يقولون من ذا الذي أذّن ؟ ففزعت وسكتّ ثم قلت أخاطبهم وأصدقهم عن أمرى لعلَّهم يعينوننى على خروج المرأة ، فصحت من المنارة : أنا أذّنت ، فقالوا : أنزل وأجب أمير المؤمنين ، فنزلت ومضيت معهم فإذا هم غلمان بدر ، فأدخلنى على المعتضد باللَّه فلما رأيته هبته وأخذتني رعدة شديدة فقال لي : اسكن - ما حملك على الآذان في غير وقته ؟ وأن تغرّ الناس فيخرج ذو الحاجة في غير حينه ، ويمسك المريد للصوم وقت قد أبيح له الأكل والشرب ، قلت : يؤمّننى أمير المؤمنين لأصدقه ، قال : أنت آمن ، فقصصت عليه قصة التركي ، وأريته الآثار التي في رأسي ووجهي ، فقال : يا بدر - علىّ بالغلام والمرأة ، فجىء بهما فسألهما المعتضد عن أمرها فذكرت له مثل ما ذكرت له ، فأمر بإنفاذها إلى زوجها مع ثقة يدخلها دارها ، ويشرح له خبرها ، ويأمره « 2 » بالتمسك بها والإحسان إليها ثم استدعانى فوقفت بين يديه وجعل يخاطب الغلام ويسمعنى ، ويقول له : كم رزقك ؟ وكم عطاؤك ؟ فيقول كذا وكذا « 3 » قال : فما كان لك في هذه النعمة وفى هذه السعة وفى هؤلاء الجواري ما يكفيك ويكفك عن محارم اللَّه ؟ وخرق سياسة السلطان والجرأة عليه ؟ وما كان عذرك في الوثوب بمن أمرك بالمعروف ونهاك عن المنكر « 4 » ؟ فأسقط في يد الغلام ولم يكن له جواب يورده ، ثم قال : يحضر جوالق ومداق الجص وقيود وغل . فأحضر جميع ذلك فقّيده وغلَّه وأدخله
--> « 1 » يضيف بعدها المنتظم ج 5 ( القسم الثاني ) ورقة 268 : واعتقدت أن أقيم ، أن تراخى الأمر في ذلك لئلا يشك في الصباح « 2 » في المصدر السابق : ويأمره عنه « 3 » في المصدر السابق : وكم عطاؤك فيقول كذا وكم وظيفتك فيقول كذا وكم كسوتك فيقول كذا إلى أن عدّد له شيئا كثيرا ثم قال : كم لك جارية قال كذا وكذا قال أفما كان لك « 4 » في المصدر السابق العبارة كالآتى : والوثوب على من أمرك بالمعروف ونهاك عن المنكر ( دون ذكر وما كان عذرك )